ابن ميثم البحراني

177

شرح نهج البلاغة

وقوله : ولا وقف به عجز عمّا خلق . إشارة إلى كمال قدرته وأنّ العجز عليه محال . وقد سبق بيانه . وقوله : ولا ولجت عليه شبهة فيما قضى وقدّر . إشارة إلى كمال علمه ونفى الشبهة إن تعرض له . وأعلم أنّ الشبهة إنّما تدخل على العقل في الأمور المعقولة الصرفة غير الضروريّة . وذلك أنّك علمت أنّ الوهم لا يصدق حكمه إلَّا في المحسوسات فأمّا الأمور المعقولة الصرفة فحكمه فيها كاذب فالعقل حال استفصاله وجه الحقّ فيها يكون معارضا بالأحكام الوهميّة فإذا كان المطلوب غامضا فربّما كان في الأحكام الوهميّة ما يشبه بعض أسباب المطلوب فتتصوّره النفس بصورته وتعتقده مبدءا فينتج الباطل في صورة المطلوب وليس به ، ولمّا كان الباري تعالى منزّها عن القوى البدنيّة وكان علمه لذاته لم يجز أن تعرض لقضائه ولا قدره شبهة ، أو يدخل عليه فيه شكّ لكونهما من عوارضيها . وقد عرفت معنى القضاء والقدر فيما سبق . وقوله : بلا قضاء متقن وعلم محكم . أي برئ من فساد الشبهة والغلط . وقوله : وأمر مبرم . إشارة إلى قدره الَّذي هو تفصيل قضاءه المحكم ، وظاهر أنّ تفضيل المحكم لا يكون إلَّا محكما : وقوله : المأمول مع النقم المرهوب مع النعم [ المرجوّ من النعم خ ] . أقول : منبع هذين الوصفين هو كمال ذاته وعموم فيضه وأنّه لا غرض له وإنّما الجود المطلق والهبة لكلّ ما يستحقّه ، ولمّا كان العبد حال حلول نقمته به قد يستعدّ بالاستغفار والشكر لإفاضة الغفران ورفع النقمة فيفيضها عليه مع بقاء كثير من نعمه لديه كان تعالى مظنّة الأمل والفزع إليه في رفع ما القى فيه وإبقاء ما أبقى حتّى أنّه تعالى هو المفيض لصورة الأمل ، وإليه أشار بقوله تعالى « وَإِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ » وكذلك حال إفاضة نعمته لمّا كان العبد قد يستعدّ بالغفلة للإعراض عن شكرها كان تعالى في تلك الحال أهلا أن يفيض عليه بوادر نقمته بسلبها